26‏/08‏/2012

إصلاح عائدات النفط في كردستان العراق



شوان زولال
لطالما وصف المعنيّون بقطاع النفط كردستان العراق، بأنها آخر حدود برّية في العالم لم يتم التنقيب عن النفط فيها. فمنذ فتح المنطقة أمام المنقِّبين عن النفط، بعد سقوط نظام صدام حسين العام 2003، تبيّن أنها ترقى إلى مستوى التوقّعات التي تحدّثت عن وجود كمية وافرة من النفط فيها. فقد أشارت تقديرات "المسح الجيولوجي الأمريكي" العام 2007 إلى أن متوسّط الاحتياطي الكردستاني وحده يفوق 45 مليار برميل من النفط و3-6 تريليونات متر مكعّب من الغاز الطبيعي. وفي ذلك العام، عندما بلغت النقاشات حول قوانين النفط والغاز (وكذلك تقاسم العائدات) حائطاً مسدوداً في بغداد، وضعت حكومة إقليم كردستان تشريعها الخاص حول النفط والغاز، فمنحت نحو 40 عقداً لشركات من أكثر من 17 بلداً. في غضون ذلك، وفي إطار سعي الحكومة الاتحادية العراقية إلى فرض مركزيّة القطاع النفطي، اتّهمت بغداد حكومة إقليم كردستان بالفساد مدّعيةً أن عقود تقاسم الإنتاج التي وقّعتها هذه الحكومة مع الشركات الأجنبية غير دستورية. ومن المسائل الأساسية التي ركّزت عليها بغداد في هذا السياق موضوع الشفافية: فقد انتقدت هذه العقود لأنها لم تُعلَن على الملأ و بالتالي لايمكن الاعتراف بها (بما أن مضمونها غير معروف).
لكن في الأشهر الأخيرة الماضية، اتّخذت حكومة إقليم كردستان خطوات غير مسبوقة لزيادة الشفافية. ففي سبتمبر/أيلول الماضي، نشرت أغلبية عقود تقاسم الإنتاج. وفي الخامس من ديسمبر/كانون الأول الجاري، أقرّت الحكومة برئاسة برهم صالح مشروع قانون معدّلاً حول عائدات النفط والغاز، ما يمثل خطوة كبيرة نحو تعزيز المساءلة داخل الحكومة الكردية التي تتمتّع بشبه استقلال ذاتي. صحيح أن جهوداً بُذِلَت في السابق لزيادة الشفافية، إلا أن مشاريع القوانين المتنافسة، التي قدّمتها كل من الحكومة ولجان الطاقة النيابية، لم تفلح في أن تحدّد صراحةً ما تقتضيه الشفافية. ولعل مشروع القانون الذي حمل برهم صالح لواءه يُرسي معياراً جديداً.
واقع الحال أن مشروع القانون المقترح سوف يؤدّي إلى مأسسة آلية منح العقود، التي افتقرت حتى الآن إلى الشفافية، ومنح مجلس النواب إشرافاً أكبر على الصناعات الهيدروكربونية، وإنشاء هيئة تنفيذية تختار الحكومة أعضاءها(على أن تتم المصادقة عليهم في مجلس النواب) تتولّى إدارة ومراقبة صندوق عائدات النفط والغاز ومدّة ولايتها أربع سنوات. أمّا حسابات هذه الهيئة فتُودَع بالعملة الأجنبية أو بالدينار العراقي، ويمكن لرئيس الهيئة وحده أن يصرف من أموال صندوقها، إنما بعد الحصول على موافقة اللجنة النيابية الكردستانية للنفط والغاز. وبموجب القانون، تُطبَّق هذه الترتيبات أيضاً على الواردات المالية ذات الصلة (مشتقّات النفط والغاز، والمنح المتأتية من العقود النفطية والغازية، والتخصيصات الأخرى التي تمنحها الحكومة المركزية للقطاع أو التي تهدف إلى حماية البيئة)، ما يشكّل تمايزاً لافتاً عن الإجراءات السابقة حيث كانت القوّتان السياسيتان الأساسيتان: الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، تجتمعان خصّيصاً لاتخاذ قرارات الدفع.
فضلاً عن ذلك، سوف تخصّص اللجنة النيابية إيرادات صندوق عائدات النفط والغاز لتمويل الاستثمار في مشاريع إعادة الإعمار والبنى التحتية، وسيتم توزيعها على المحافظات الكردية بحسب عدد السكّان فيها. كذلك يمكن لهيئة مراقبة وإدارة الصندوق إصدار توصيات لتنفيذ مشاريع مختلفة وتخصيص الأموال اللازمة لها، بعد مُصادقة مجلس النواب عليها. لكن لا يُسمَح باستعمال الصندوق في مشاريع لم يتم التعاقد بشأنها بعد، وغير مدرَجة ضمن الموازنة السنوية لحكومة إقليم كردستان، ما يضع حداً لقيام الأحزاب السياسية الأكثر نفوذاً بسحب رساميل بهدف تنفيذ مشاريع تصادق عليها أحادياً. إلى ذلك، يعتبر قطاع النفط والغاز، إلى جانب مشاريع البنى التحتية المحلية، المستفيد الأول من هذا الصندوق. وفي أحد بُنوده الرئيسيّة، يقترح مشروع القانون أيضاً قيام شركة محاسبة دولية معروفة بتدقيق مستقلّ في الحسابات سنوياً، ما يجعل منه الصندوق الأكثر شفافية في المنطقة. وللقانون جانب آخر على القدر نفسه من الأهميّة، فهو ينص على وجوب تأسيس "صندوق دعم الأجيال القادمة للإقليم" الذي تودَع فيه نسبة معيّنة من العائدات النفطية المستحصَلة ويكون بمثابة صندوق سيادي يمكن من خلاله تخصيص أموال من الدخل الوطني لتنفيذ مشاريع استثمارية كبرى، كوسيلة لضمان الإيرادات في المستقبل. كما يُقدِّم إنشاء هذا الصندوق دليلاً على أن حكومة إقليم كردستان باتت ناضجة بما فيه الكفاية للتخطيط على المدى الطويل، بدلاً من الاكتفاء بالحلول القصيرة الأمد للمشاكل المستمرّة.
مشروع القانون هذا، الذي تقدّم به صالح هو أحدث نقطة توتر في عمليّة شدّ الحبال بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتّحادية العراقية. فمنذ العام 2003، اتّخذت حكومة إقليم كردستان موقفاً واضحاً جداً بأنها تريد تطوير قطاعها النفطي بصورة مستقلّة عن السيطرة الاتحادية. وقد أصبح حسين الشهرستاني، نائب رئيس الوزراء العراقي لشؤون النفط، رمزاً لمعارضة الموقف الكردي. فقد عارض بشدّة المحاولات التي يبذلها الأكراد كي يسيطروا بأنفسهم على قطاعهم النفطي المستقل، فيما وضعته آراؤه في مسار تصادمي مع آشتي هورامي، وزير الموارد الطبيعية في حكومة إقليم كردستان. حاول الشهرستاني منع الشركات النفطية من دخول إقليم كردستان عبر تهديدها بإقصائها عن بقية المناطق العراقيّة، في حين جذب هورامي الشركات إلى الإقليم عارِضاً عليها عدداً من الصفقات المربحة التي ظلّت حتى الآونة الأخيرة حكراً على المستثمرين الأكثر جرأة، لكنها باتت تستقطب الآن العديد من الشركات النفطية الكبرى.
وفي تطوّر بالغ الأهمية، وقّعت شركة "إكسون موبيل" عقداً مع حكومة إقليم كردستان في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، يجيز لها التنقيب عن النفط والغاز في ست مناطق في شمال الإقليم، ما أثار حفيظة الكثيرين في بغداد. وعلى الرغم من أن الحكومة الاتحادية شجبت العقد، إلا أنه قد يكون العامل الذي سيساهم في حلحلة المأزق.
وفي الواقع، تعتبر الصفقة مع شركة "إكسون" انقلاباً موفّقاً في العلاقات العامة بالنسبة إلى حكومة إقليم كردستان، فقد جعلت بغداد تعيد النظر في سياستها التي تقوم على مركزية التنقيب عن النفط. صحيح أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي صرّح في زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة في 15 ديسمبر/كانون الأول 2011، بأن "إكسون" وعدت بإعادة النظر في الصفقة، لكن الموقف الاتحادي قد تبدّل. فقد زعمت بغداد أنها تعارض الصفقة انطلاقاً من مبدأ معيّن (أي عدم السماح لشركات النفط الدولية التي تعمل في كردستان بالعمل في العراق في شكل عام)، لكن تبدو الآن مهتمّة فقط بثلاث من المناطق الست التي أجيز لشركة "إكسون" التنقيب فيها، وهي: بردراش والقوش وقرة هنجير. فهذه المناطق تقع في ما يُعرَف بـ"الأراضي المتنازع عليها" (بحسب تعريفها في المادة 104 من الدستور العراقي)، واثنتان منها تتبعان رسمياً لمحافظة نينوى، أي إنهما ليستا تقنياً جزءاً من كردستان العراق، لكنهما خاضعتان لإدارة حكومة إقليم كردستان منذ عام 2003، وثمة خلاف مع الحكومة العراقية المركزية حول السيطرة عليهما.

وحتى لو أحجمت "إكسون" عن التنقيب في المناطق الواقعة في الأراضي المتنازع عليها، واستمرّ العمل فقط بالعقود الموقَّعة للتنقيب في المناطق الثلاث الأخرى، فهذا لا يُلغي واقع أن تغييراً مهماً حدث في سياسة الحكومة الاتحادية العراقية. كما أنه يُشكّل سابقة لدخول الشركات العملاقة الأخرى إلى إقليم كردستان. فمن شأن مشروع القانون المعدَّل حول عائدات النفط الذي تقدّم به برهم صالح أن يُرسي، في إطار القطاع النفطي المستقل في الإقليم، أساساً جديداً للتوزيع الشفّاف والمنصف للثروة النفطية الضخمة التي يتمتّع بها إقليم كردستان العراق.
شوان زولال مستشار ومحلّل ذو خلفية قانونية مقيم في لندن. يكتب بانتظام عن السياسة والمخاطر الأمنية والمسائل القانونية في العراق ومنطقة الشرق الأوسط. متخصّص في قطاعَي النفط والغاز، وفي العقود، والتنمية الاقتصادية، والتغيير التشريعي في كردستان العراق. يدوِّن على العنوان الآتي www.kurdishviews.blogspot.com.
ئەم بابەتە چۆنە ؟

0 كۆمێنت:

إرسال تعليق