22‏/03‏/2012

العصيانات الملتهبة بثقافة المرأة-الأم مزدك، بابك والخرمية



هيمنت سحب الظلام على حضارة الشرق الأوسط بعد سحق الكثير من الحركات الباطنية التي كانت تمثل الشعب.

اكادمية عبدالله اوجلان للعلوم الاجتماعية

ونظراً لعواملِ المنطقةِ وطابعِها، فقد تَكُونُ التمرداتُ والمقاوماتُ التي أبداها الشيوعيون المَرموقون من أمثالِ مزدك وبابك  هي آخرُ تمثيلٍ للزرادشتية. فكِلاهما باتا رمزَ البسالةِ بمقاوماتِهما ضد المونارشيةِ الإيرانيةِ – الساسانيةِ المتفسخةِ من جهة، وضد السلاطنةِ العباسيين المنغَمِسين في الملذّاتِ واللهوِ من جهةٍ أخرى." عبدالله أوجلان"
تشكلت تمردات ومقاومات على أسس أثنية ودينية في مواجهة ضغوطات الحضارات المركزية التاريخية القديمة في الشرق الأوسط، حيث تم إحياء القيم الكومينالية في هذه المقاومات المُدينة لها الإنسانية بالكثير في يومنا الراهن. ان مقاومة القبائل العبرانية، ظهور الأديان الإبراهيمية، الزردشتية، القرامطة، الخوارجية، العلوية والكثير من الحركات العشائرية والقبلية والمذهبية والفلسفية الأخرى، انطلقت كحركات تحررية ضد الظلم والاستبداد.
كان اسم هذه المقاومات التاريخية الرائعة النبي إبراهيم ضد النماردة، والنبي موسى ضد الفراعنة، ومن ثم نرى تصاعدا إراديا وأخلاقيا على خط الشرق ـ الغرب في ذات بوذا، كونفوشيوس، زردشت وسقراط. ومن بعد ذلك ظهر سيدنا عيسى على مسرح التاريخ على طريق أمل خلاص البؤساء والفقراء، بتأثير أكثر الطرائق السرية حركة الاسنيين Esseni التي تصدت لليهودية المتراجعة. عندما وصل التدفق التاريخي هذا إلى مرحلة ماني، تكونت الاسنية كمزيجا من فكر بوذا وزردشت" وبشكل طبيعي العيسوية". ان مسار هذا التطور يوضح مستوى المؤثرات الدينية ـ الثقافية في الوقت نفسه، وهذا بدوره يستبعد تفكيرنا بوجود حركة خالية ومنفردة بذاتها.
عند اخذ الزردشتية كدين رسمي للإمبراطورية  الساسانية-الإيرانية وأوقع بها في شرك أداة السلطة، أدى إلى ظهور حركات الإصلاح كعصيانات ممتدة من التاريخ والى يومنا الراهن ضد ذلك. فوفق السلسلة التاريخية، من بعد ظهور الزردشتية والمسيحية بدأت مرحلة اكبر الانطلاقات الدينية والفلسفية والمذهبية بـ ماني ومزدك، لتستمر بـ بابك ومنصور الحلاج في مرحلة الإسلام.
شهد التاريخ على ان عصيان مزدك ذو مكانة هامة كحركة كومينالية كبيرة. فحتى ان وجدت من قبله حركات مقاومة بأفكار كومينالية، لكنها بقيت على الدوام بشكل مجموعات سرية وصغيرة. كما أنها تستذكر كأول حركة شيوعية كومينالية بسبب تأثيرها الواضح والشامل وفي الأساس لدفاعها عن فكر المساواة والتعاون. كذلك ينبغي إضافة انها لم تطور فكرا خارج النظام الدولتي التقليدي تماما، أثناء دعوتها إلى الإصلاح الديني ضمن بنية الدولة. شكل هذا الوضع عاقا لعموم التمردات في الشرق الأوسط. في الحقيقة ينبغي عداد مزدك من بين أقدم الكومينين الكفؤئيين. شهدت أراضي إيران الساسانية على محاولات ماني الإصلاحية قبل مزدك. فحتى ان قمعت هاتين الحركتين بإبادة جماعية، لكنهما عاشا كفكر في تمردات مختلفة وأثرا على التاريخ اللاحق من بعدهما.
أساس الحركة الخرمية: المزدكية
من هو مزدك، وما هي ظروف ظهوره، والأفكار التي دافع عنها وسماته كقائد ؟ وكيف اثر على المراحل اللاحقة من بعده؟
تكون تاريخ القمع والظلم للمستبدين على الدماء، بهدف إزالة أسماء كافة مقاومات الحضارة الديمقراطية وقيمها المادية والمعنوية، لهذا لم يتبقى أي مرجع تعريفي وشامل بحق مزدك. لكن حتى حسب المعلومات الموجودة بحوزتنا اليوم يتبين بان مزدك بطل شعبي يحيا اسمه بفخر في تاريخ الديمقراطية في إيران والشرق الأوسط  بأفكاره المنتظمة ومقاومته باسم الحياة الجماعية.
لا معلومات عن تاريخ ولادة مزدك، ولكنه همداني الأصل وقتل بتاريخ 499 كقائد إصلاحي شعبي. جاءت مرحلة مزدك كاستمرارية لماني وزردشت وكمرحلة معروفة مثل مرحلة الأديان اليهودية والمسيحية والبوذية إلى مدارس الفلسفة اليونانية في الشرق الأوسط، لذا لا يمكن الاعتقاد بأنه لم يؤثر على مزدك ولكن كانت مجتمعية الشرق من أهدافه الأساسية. 
دافع مزدك بفلسفته عن نظام حر عادل ومشترك في مواجهة النظام الدولتي الاستبدادي الذكوري المبني على أساس شراكة رهبان زردشت والبيروقراطيين الساسانيين، على الأسس التالية:
1- التعاون على أساس تقاسم المال والثروة
2- المساواة بين الرجل والمرأة
3- وضع فكرة عدم بناء السلطة والتحكم بالناس في مركز فلسفته.
لقد اتخذ كل من أصحاب ورجال الدين أصحاب أراضي المعابد موقفا ضده على الفور، وبرز هذا الموقف في البداية على شكل تشويه سمعته من قبل المتحكمين مثلما حدث في كل عصر." يحمي مزدك حق مشاركة النساء في الثروة".
وضع مزدك الأسس الفلسفية لأفكاره بمثالية زردشت: النور والظلام، الحسن والسيء وكل هذين الثنائيتين في صراع دائمي وفي كل مكان ماعدا الرب. كما حرم قتل الإنسان واكل لحم الحيوان مثلما هو موجود في الزردشتية، كذلك تجريد رجال الدين من الخصائص التمييزية وما يحملونه من مسؤليات دينية كبيرة. كما أشار إلى ضرورة استبعاد الملكية الخاصة والتي هي المصدر لجميع السيئات، الخطايا، العنف، الحسد، الغضب والطمع وبناء مجتمع مفعم بالحب والعشق.
وضَّح مزدك وجود الكون بثلاثة عوامل رئيسية مثل الماديين اليونيين"ionia :  النار، الأرض والماء. ويدير اله النور النظام الكوني بتفضيله أربعة قوة لأربعة أشخاص بالاشتراك مع القوى الأخرى الموجودة تحت أمرته، وهم:
1- المحاكمة (موبادMobad ـ القاضي الرئيسي)
2- الفهم (هاربادHerbad ـ العامل الرئيسي للإدراك)
3- التستر ( سرباهادSerpahhad ـ المحافظ الرئيس)
4- السعادة ( راميشكارRamişgar، معلم الفرح والسعادة)
ووفق ذلك يوجد تحت أمرة الأشخاص الأربعة هذه سبعة قوى وبيد سبعة قوى أثنى عشرة قوى أخرى.
باختصار، لاقت أفكار مزدك ومفهومه في النظام الاجتماعي الذي دافع عنه القبول بسرعة في المجتمع وتوسعت إلى جميع الأطراف. إن السبب الرئيسي في ذلك هو رغبة الشعوب الموجودة على أراضي ميزوبوتاميا في حياة تعاونية ووجود مشاعيات القرى وفق ظروف تلك المرحلة والحية إلى يومنا الراهن.
حتى يتمكن الملك الساساني كاوس الأول (  هناك ما يسمونه بـ كاوا، كاواد، كاواز) من قلب هذا الوضع لصالحه، تظاهر بتبني أفكار مزدك في البداية، وبذلك اشتد ساعد كاوس ضد الارستقراطيين والرهبان المحترفين مع مرور الزمن. للرهبان والارستقراطيين والأمراء مكانة هامة في إيران منذ الإمبراطورية البرسية، حيث حكموا البلاد بنظام الولايات وهم الأوائل الذين حولوا هذا النظام إلى ملك للتاريخ. مع إنشاء هذا النظام في العهد الساساني، تطور بالأغلب مفهوم مَلكية قوية مركزية.
ازداد احتقان المجتمع، حيث كانت الشاهنشاهية تدير جميع النبلاء كأعلى مركز. تكونت الطبقات الاجتماعية الأساسية من الرهبان " اتوربانانatorbanan" والمقاتلينarteştaran" ارتيش تاران" والبيروقراطيين والعساكر" دابيرانdabiran" وطبقة الشعب "vasteryoşan فاستريوشان". شكل الأمراء طبقة من الأصليين مع الرهبان والارستقراطيين أصحاب الأراضي الشاسعة والأموال الطائلة. أما الطبقة الأدنى في التمييز ضمن المجتمع كانت تتشكل من الإداريين الاريانيين الأصل ووحدات المشاة المتشكلة أساسا من الأصليين الأقل  مستوا " الأحرار" والقرويين الآريين والخوارج. إن هدف الملك هو ضمان بقاء جميع هذه الطبقات المختلفة ضمن حدوده، والتظاهر ببناء العدالة. في حين كانت الطبقات العليا تستفيد وتستبد باستمرار، كانت الفئات الشعبية الفقيرة تستعمر وتقمع بشكل اكبر. وبذلك كان من الطبيعي حصول عصيان مزدك على عون ودعم الشعب، بوقفه إلى جانب البؤساء والمسحوقين التي ازدادت أعدادهم وآلامهم مع مرور الزمن.
ان مستوى الحياة التي تشكلت بهذا الاحتقان، التشنج الاجتماعي، تطرف الدولة علنا، معايشة أركان الدولة حياة أبهة وعدم اتخاذ الدولة بجدية المشاكل المتعمقة التي لا تحتمل أو التغاضي عنها، هيأت أرضية العصيان بشكل اكبر. امتد حدود الساسانيين من الشرق إلى الهند ومن الغرب إلى الإمبراطورية الرومانية. وكانت الإمبراطورية الساسانية على تنافس مع الإمبراطورية البيزنطية التي استمرت بوجودها على ميراث الإمبراطورية الرومانية من بعد انهيارها. سعى الملوك الساسانيين إلى إزالة تأثيرات يونان وإحياء تأثيرات حياة السرايا في عهد البرسيين. لذا الساسانيون الأصل لم يتخلفوا عن البيزنطة في حياة مرفهة ملهية واخذوا أركان السرايا تحت تأثيرهم. اتخذت الحياة شكلها المذكور في قصة ألف ليلة وليلة مكانتها في التاريخ كنتيجة لهذه المرحلة.
بالطبع ان السمات الرئيسية لهذه المرحلة المدونة في التاريخ لم تكن قصة ألف ليلة وليلة فقط. فبعد ذلك ستتخذ القصص البطولية عبر اردشير بابكان المنبع لملحمة رستم زال مكانتها المستحقة في التاريخ المدون.
اردشير بابكان كحاكم كردي كان هو الشخص المؤسس للدولة الساسانية، لكن الفارسيين الأصل قاموا بتصفية حكمه والاستيلاء عليه ضمن فترة وجيزة. وبذلك مثلما حصل في إنشاء الدولة البرسية، تغير حكم السلالة في مثال إنشاء الدولة الساسانية أيضا. كل هذا بدوره أنما يدل في الوقت نفسه على استمرار تأثير الكرد في الدولة والمجتمع.
مزدك من أكراد همدان وبتوحيده مع السلطة والإصلاح في الزردشتية المتفسخة، استهدف إلى الإصلاح في إدارة الدولة، تقوى هو ومؤيده مع مرور الزمن. فحتى وان أوقعوا بالملك الساساني في 496 من دفة حكمه ومن ثم هربوا والتجؤا إلى الاكهونيين، زجوا بالملك كاوس في السجن أيضا. ان "جامسابا " الذي احتل مكان كاوس مؤقتا، تظاهر بتبني أفكار مزدك ومسامحته لعلمه بمدى تأثيره ضمن صفوف الشعب. ان كاوس الملتجأ إلى الاكهونيين والحاصل على تأييدهم، هاجم بثلاثين شخصا من جيش اكهون واعتقل مزدك في 499 والحق الهزيمة بأنصاره، وبذلك تخلى جاماسبا عن كرسيه له.
وحسب رواية أخرى، من بعد كاوس الذي بدا بالإبادة الجماعية ضد أعوان مزدك، دعى ابنه خوسرو مزدك إلى سراياه، ليعلن عن دينا جديدا أمام الشعب. مع قبول مزدك وأعوانه دعوة السرايا، فقدوا تأثيرهم بالفخ المنتصب لهم هناك. حيث قام خسرو بدفن رجال مزدك وهم أحياء في التراب وعلى شكل دفن رؤوسهم في التراب وإبقاء أقدامهم خارجا. وبعدما ذكر لمزدك "انظر إلى محصول مذهبك الشيطاني هذا"، قتله خسرو بنفس الطريقة أيضا، لكن مقابل الإبادة الجماعية هذه قال مزدك لخسرو قبل ان يموت " هل بمكانك قتل جميع الشعب؟". في الحقيقة يتبين من سؤاله هذا مدى شساعة المزدكية ووسع نطاقها بين صفوف الشعب. لقب خسرو بـ "نوشيروان" أي بمعنى "الروح الخالد" حتى وان كان له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالإبادة، وذلك بسبب حمايته لـ " الزردشتية الأرثوذوكسية Ortodoks".
لم يستطع مزدك الذي دافع عن اللاعنف كضرورة لمصدر اعتقاده وتحامله على العمل بالإصلاح في الدولة مع مرور الزمن مع أعوانه، حماية أنفسهم والنفاذ من إبادة جماعية. ان حديث مزدك عن تكوين اله النور من أربعة قوى، مثل كلمة السر لبرنامج إصلاحي تقدمي وفق تلك ظروف: انه برنامج إصلاحي يدعو إلى الإدراك بالمحاسبة، حماية ما فهمته، حماية ما حققته من توسع وفي النهاية إعلان بشرى نصر بناء مجتمع العشق. ولكن مع الأسف تم إبادة هذه المحاولة الإصلاحية المبكرة بإبادة جماعية مثلما حدث في تجربة ماني تماما. لقد اتبعت الإدارة الإيرانية في العهد الساساني سياسة إذابة القوى بداخل نظامها سياسيا وفي حال عدم قدرتها على ذلك، لجأت وباحتراف إلى القضاء عليهم بالإبادة الجماعية مثلما عليه اليوم، وأحرزت النتائج على  المطلوبة.
الخرمية: نداء الحرية الصارخ الممتد بصداه إلى مئات الأعوام
ثابرت زوجة مزدك على النضال من بعد قتله. وكون تدوين التاريخ بقي لكتُاب المتحكمين الأبويين، لا يمكن العثور على معلومات بحقها وكأنها لم تكن. حتى وان وجدت البعض من بقايا المعلومات من عهد "نظام الملك" الذي عاش بعد خرم بخمسة مائة عام ومن بعض المؤرخين، لكنها لعبت دورا كبيرا في إلقاء الضوء على حقيقة عظيمة. ويُدرك من خصائص الحركات التي ظهرت فيما بعد، بان المزدكية استمرت من قبل خرم وأصبحت هي المصدر للحركة التي سميت باسمها. الخرمية نهج كومينالي، يعتمد في أساسه على الفلسفة الزردشتية. الخرمية التي أصبحت المصدر الأولي لظهور العلوية الأناضولية كمصطلح ذات مصادر عديدة، ومن المحتمل ان تكون كلها مرتبطة ببعضها البعض وذات نفس الفاعلية. فمنها تدعي بسبب انطلاقتها من مكان خرم أو بسبب الكلام اللطيف بمعناه، أو استخدام هذه التسمية بمعنى السماحة والفضل والجمال بالمعاني الدينية، إلا انه لا يمكن التفكير بجميعها بمستقل عن زوجة مزدك ورفيقته "خرم".
لم تكن للمرأة أية مكانة لديهم، فكيف حصل وقامت امرأة بقيادة المقاومات العظيمة ضد الإمبراطوريات؟ عندما تكون المرأة اكبر خيال مرعب للمهيمنين، فان عدادهن " الأم خرم " من المعدومين أمر واضح. فحتى لو فكرنا بان خرم كرمز أيضا، فإنها آخر عصيان نسائي بتقاليد نيوليتية وزردشتية قبل الإسلام. بينت المزدكية والحركات الخرمية المتطورة لاحقا التي أشارت إلى مساواة وحرية المرأة، ان خرم ليس رمزا بل شخصية تاريخية. لان هذه الأفكار لا تتكون من تلقاء نفسها من دون إرادة ونضال المرأة.
كانت تلك المرحلة، مرحلة فقدان المرأة قوتها المميزة في المجتمع قبل ذلك بكثير، وحكم النظام الأبوي في مراحل تكوينه. تطور تيار تمرد عميق أثناء المحاولات الساعية إلى تهميش المرأة وإبقائها من دون حول ولا قوة ولا هوية. لم تحطم إرادة المرأة في ميزوبوتاميا بالكامل، وبقي البحث عن المساواة والحرية قائما من دون هوادة. نسجت المرأة عصيانا من الأعماق بطريقة غير مباشرة نظرا لضرورة ظروف تلك المرحلة، بدلا من ظهورها بهويتها وريادتها علنا. إن وقفة المرأة الموجودة إلى جانب مزدك وجاويدان وبابك، هي وقفة ثقة وقبول بالنسبة للمجتمع، وهنا يعكس خصائص الآلهة الأم وطابعها بشكل غير مباشر. وافق المجتمع على تمردات المرأة وريادتها عند النظر إلى خصائصها هذه. إن هذا لأمر هام جدا. حتى الملاحظات المذكورة في المصادر الإسلامية من قبيل: " استمرت خرم زوجة مزدك بتوسيع أفكاره"، " عندما قُتل جاويدان، ذكرت زوجته لأعوانه بان روحه يحيا في بابك وبذلك تم قبول حكمه"، تكفي لتثبيت صحة ما ذكرناه.
توجهت خرم إلى مدينة ري من بعد الإبادة الجماعية للساسانية، ونظمت رفاق ومؤيدي مزدك الناجين من الإبادة الجماعية حتى تنشر أفكاره.
قال مزدك: " ان المال مشترك بين الناس، لأنهم عباد الله وأبناء آدم. كل واحد يمكنه ان يستعمل مال الآخر وفق حاجاته ويجب ان لا يحرم أحدا من هذ الحق. يجب ان يكون الكل سواسية ماليا." وعلى أساس كلام مزدك هذا وضع الكل أمواله للشراكة. من بعد قتله هربت زوجته خرم بنت قاد من المدائن مع اثنين من رجالها إلى الـ ري ودعت الشعب إلى عقيدة زوجها. الذين اتبعوا خرم أعطتهم اسم ديني. نشرت خرم رجال الدين في كل الأطراف واتخذوا في كل مكان أسماء مغايرة، وتمردوا فيها على الدوام. اتحد الباطنيين معهم، لان كلا المذهبين من نفس الأصل."
لم تنتهي ترقب المعادين للمزدكية بقتل مزدك. فبعد استلام خسرو الأول دفة الحكم، ارتكبت الموجة الثانية من الإبادة الجماعية. اتخذت الخرمية أسماء مغايرة في كل مكان بسبب الذهنية الإبادية هذه، وحتى اضطرت في بعض الأحيان إلى الانسحاب تحت الأرض لتستمر بتأثيرها الثقافي بين المجتمع وفي التمردات.
حتى وان تقرب خسرو والملوك الساسانيين من بعده بمنطق إداري عموما من المعتقدات الدينية مثل المسيحية واليهودية، لكن لم يتخذوا سوى مواقف إبادية وقمعية ضد المزدكية. السبب في ذلك هو الجوهر الكومينالي لهذه التيارات وتشكيلهم البديل للنظام. في حين كانت إيران تطور حركاتها القمعية داخليا على هذا النحو، أعلن دين آخر نصره في البلاد العربية وانتشرت بسرعة كبيرة. حيث توسعت الإمبراطورية الساسانية بقدر المستطاع، ولكن بالرغم من قوتها لم تراقب الأرضي التي توسعت فيها، وفي الأساس لان جذورها تفسخت  وانهارت بالسيف الإسلامي نهائيا في تاريخ 642. استمر الهاربين إلى أواسط أسيا الوسطى من أصول إيرانية بوجودهم من خلال بناء دولة السامانيين، لقد استولت الإمبراطورية الأموية العربية التي تأسست في 661 على أراضي الشرق الأوسط ومن بينها إيران أيضا. وكما هو معلوم عينت إيران نفسها بالجناح الشيعي الإسلامي وأظهرت بشيعة إيران على الساحة. لقد عملت باستخدام العنف لسلمنة الكثير من شعوب المنطقة وفي مقدمتهم الشعب الكردي، واستمرت العشائر والقبائل التي لم تُسلم حتى بالعنف بمقاومتها سرا أو علنا.
في مواجهة تحويل الإسلام إلى أيديولوجية أساسية للدول وأداة قمع بيد المهيمنين، انطلقت تمردات عديدة وفي مقدمتهم القبائل العربية البدوية الرحل الحرة، الذين يمثلون الثقافة العربية. تمحورت وجود هذه التمردات حول الفلسفة الباطنية. ان الباطنية إحدى أنواع الخرمية والتحمت معها. أما الفرق الوحيد بينهما فهو الزمن أي عهد تواجدهما، لان التمردات التي أعقبت  ظهور الإسلام اضطرت إلى حمل زخاريف دينية وإسلامية.
إن المرحلة التي سبقت حكم السلالة العباسية التي تقوت ضد الأمويين، أصبحت مصدر القوة للتمردات. وبرز من بينهم اسم هيداش، واسم خراسان كمركز تمرد. عندما كشف أمر عمار بن يزيد الملقب بـ هيداش المبعوث إلى خراسان من قبل العباسيين الذين نظموا أنفسهم ضد الأمويين بعد عام 725 بتبنيه الخرمية، قتل من قبل والي المدينة. وبعدها قامت عصيانات خرمية صغيرة منها وكبيرة.
استمرت الخرمية كنهج نضالي كومينالي تحرري على مر المئات من الأعوام. من بعد قتل أبو مسلم الخراساني في 4-753 الذي لعب دورا هاما في بناء الدولة العباسية وانهيار الدولة الأموية وإبادة جميع أعوانه بقتل جماعي، أوصلوا الخرميين صوتهم إلى آذان جميع العالم باسم تمرد بابك في الربع الأول من 800.
بابك: روح الشرق الثوري
وصلت حركة الخرمية الممتدة من المزدكية إلى قمتها في مرحلة بابك. ان بابك هو ابن عبدالله الكردي الزردشتي بن ماتار الازرية. كان أباه يبيع غاز القناديل بالتجوال في القرى. أما اسم ماتار فعند الفركيين يعني الأم "آلهة البركة والانجاب". ينبغي القول إلى جانب أهمية المعلومات التي تفيد عن أصل ابوه وامه، فلا يحمل اصله إن كان كرديا او آزريا اهمية، بقدر أهمية قيادته في الحركة الخرمية للشعوب. اخذ الشعب الازري بعد ذلك تمرد بابك أساسا لتحولهم الوطني، ودافعوا عن الكرد ذو الطابع الزردشتي ومقاوماتهم. إن تحلي شعوب المنطقة بروح حماية البعض وعد الآخرين من أبناء جلدتهم، نابع من روح بابك الاجتماعي الحر.
عندما قتل والد بابك أثناء تعرضه لهجمة قطاع الطرق "الناهبين" في جبل سافالان، عملت أمه كمرضعة حتى تربيه. افترق بابك عن أمه من بعد العاشرة من عمره ليعمل راعيا في منطقة تبريز، وبعد ثمانية أعوام من الرعي عاد إلى أمه في قريته. عاش معا في منطقة ميمد قرية بيلاباد. وأثناء هذه الفترة ظهر الخرميون على مسرح التاريخ مرة أخرى. إن عصيان الحركة الخرمية الذي بدا بتاريخ 808 في ازربيجان منطقة بيز كان يقودها جاويدان بن سهل. وحسب ما يروى ان جاويدان ورجاله نزلوا إلى هذه القرية بسبب هطول الثلوج الكثيفة، لكن عندما لم يتلقوا الترحيب من قبل وجهاء القرية، نزلوا إلى بيت ماتار. استقبلت ماتار وابنها بابك الضيوف بخير ترحيب واحترام. ونتيجة ملاحظة جاويدان ذكاء بابك وإتقانه اللغة الإيرانية، طلب منه الانضمام إليهم. وبذلك أخذه إلى مركزه في جبل بيز ورعاه بتعليمه.
من بعد موت جاويدان ضمنت زوجته قيادة بابك الحركة الخرمية. جمعت الخرميون وألقت عليهم كوصية جاويدان الكلمات المدونة التالية:
" ان بابك الشاب يحمل الروح المقدسة لجاويدان الميت. وبهذا سيصبح بابك قائد الجماعة.... سيحيا الدين المزدكي من جديد. وبفضله سيصبح حتى الأكثر دناءة فينا إلى قديسين. وسينتهي ضعفكم."
وعلى أساس ذلك قبل الخرميين بابك كقائدا جديدا لهم وأقاموا له مراسيم تقاليدية مثلما فعلوه لسابقيه من القادة. وتزوجت زوجة جاويدان من بابك وفق العادات الجماعية.
عمل بابك على تجهيز جميع الاستعدادات اللازمة لتقوية الحركة وبدأ في عام 816 بتبليغ برنامجه في منطقة بز. البرنامج بأوضح أشكاله هو بناء حياة تعاونية ومتساوية. إن بناء حياة كهذه كان يعني البدء بنضال تحقيقه في المناطق المتحررة. وعلى أساس ذلك بدأ الخليفة مأمون بتحرك جيشه. لاقت قوات بابك الصعوبة في الهجمة الأولى واضطرت إلى التراجع. ومن ثم استولى جيش المأمون على القلاع الواقعة ما بين اردبيل وزنجان وارتكب إبادة جماعية شعبية هناك. ومن ثم عاد الخليفة مأمون إلى بغداد. من بعدما جمع بابك قوته اهزم والي أرمينيا ازربيجان "ياها ابن معز" عام 820 المكلف من قبل  الخليفة بإنهاء أمر الخرميين. عندما انهزم الوالي الذي جاء من بعده عيسى ابن محمد من بعد عام، استلم علي ابن صادق هذه المهمة. وعندما انهزم هو أيضا، بعث المأمون احمد بن جنيت في هذه المرة. عندما الحق بابك الهزيمة بهذا الوالي وأخذه أسيرا، خاف الجميع ولم يعد هناك أحدا يرغب باستلام مهمة الوالي في هذه المنطقة. بتقديم الخليفة الموصل كرشوة إلى محمد ابن توسي عام 828، أقنعه بخضوع الحرب مع بابك. لكن لم تكن نهاية ابن توسي مختلف عن الآخرين، وحتى انه مات في ساحة الحرب. عندما لم يخاطر علي ابن هشام الذي جاء من بعده بالحرب ضد بابك، اشتبه به الخليفة، وبسبب شكه في الانضمام إلى الخرميين قتله في عام 833.
وفي نفس العام بدأ جناح آخر من الخرميين بالعصيان في أصفهان بقيادة علي مزدك، وعلى أساس الوحدة مع بابك تقدموا صوب ازربيجان. وفي هذه الأثناء هاجم جيوش الخليفة الخرميين بقيادة إسحاق ابن إبراهيم ابن موسب، وفي هذه الاشتباكات قدم الطرفين ضحايا كبيرة وخسائر فادحة من دون هزيمة أحدهما. وبسبب تقاطعهم مع جناح الخرميين في همدان، اضطرت العبور إلى أراضي البيزنطة. أما علي مزدك فعاد إلى أصفهان بقوة تناهز عشرة آلاف شخص. حتى وان كان عام 833 عام الحروب والمعارك، لكن مات الخليفة المأمون من دون إحراز أية نتيجة. واخذ المعتصم مكانه.
كان على الخليفة ان يجد الواليين بنفسه ويكلفهم بالمهمة بسبب الحرب مع الخرميين، لذا فكان الوالي يقمع شعب المنطقة بالضرائب في مناطق تواجدهم، ويشمئزون الشعب بحملات النهب والإبادة الجماعية. كلما زاد الضغط على الشعب ارتفع عدد المنضمين إلى صفوف بابك. انضم الكثير من أبناء الشعوب المضطهدة إلى العصيان وهزوا عرش الخلافة بجدية. حتى وان كان بابك يدير المعارك من مركزه في بز عموما، لكنه انضم بنفسه إلى الكثيرة منها. يتضح من نوعية الجغرافية التي ناضل فيها ومن سجلات ساحات الحرب، بأنه انتصر بنهج الكريلا من خلال استخدام الأراضي الجبلية بشكل جيد في وضع الكمائن وعمليات الهجوم. بأخذ بابك قوته الأساسية من الأكراد، التركمان، الفرس، البدويين، الارمنيين والكورجيين المستائين من الظلم العباسي، خرج منتصرا في اغلب معاركه.
من بعد مجيء المعتصم إلى الحكم في 835، جهز القائد التركي آفاشين من سراياه ضد بابك. آفاشين قمع إحدى التمردات في مصر. وكأحد مميزات الخليفة المعتصم عن غيره هو تلبية جميع الاحتياجات المادية وتقوية العسكر باستمرار وإرسالهم إلى بز.
دارت الحرب على جبهات عديدة واستمرت على مر ثلاثة أعوام. كلما انهزم جيوش آفاشين بعث له الخليفة العدة والعتاد، وفي الأخير نجح في حصار قلعة بز. مقابل حصار القلعة اقترح بابك أخراج شعب المدينة إلى خارج منطقة الحرب بسلام، ولكن علاوة على رفض آفاشين هذا الاقتراح، تقدم بطلب بيان عفو من الخليفة وعلى أثرها سيعفى عنه إذا ما استسلم. كان جواب بابك "لا حاجة لأحد بالعفو"، وبحركة تقسيمية خرق الحصار وتوجه مباشرة صوب الأراضي الارمنية. قتلوا سكان القلعة جميعا بالسيوف ماعدا الذين قبلوا اعتناق الإسلام.
خان الأمير الارمني سهل بن سمبات بابك الدخيل عنده. وأثناء محاولة بابك العبور إلى الأراضي البيزنطية لجمع شمل قواته، ماطله وسلمه هو ومع جميع رفاقه بمؤامرة إلى العباسيين.
"ان ملحمتي من نوع ملحمة لم تبدأ بـ بابك، ولن تنتهي به!"
عند النظر إلى ظروف ظهور بابك، ينبغي ذكر الإمبراطورية العباسية التي لم تتخلف عن الأمويين في أوائل الذين ظلموا الشرائح الشعبية المعارضة. عندما يستذكر عهد العباسيين بالعصر الذهبي للإسلام، كان شعب المنطقة يخفي مخاوفه الكبيرة تحسبا مما ينتظره من حساب وتشويه وانحراف الحقائق. لم تمثل الإمبراطورية العباسية الإسلام، بل مثلت معاداة الإسلام بوقوعها على عكس الميلاد الجوهري للإسلام على مقربة من الأمويين. وبالتالي ينبغي التوضيح وبعناية، ان حركات المقاومة التحررية الكومينالية لم تحارب الإسلام في حقيقتها بل حاربت معاداة -الإسلام. استهدفت مغامرة الإمبراطوريات البادية بالأمويين من استخدام الإسلام لتعريب المنطقة من جانب، والقضاء على ثقافة ميزوبوتاميا القديمة والأناضول، واستمرارية سلطتها في حياة السرايا بمتعة وصفاء من جانب آخر. إن روح العصيان الخرمي الذي يعبر عن حرية الشعوب انبعث على شكل وحدة ثورية ضد معادين الإسلام.
بانتصار العباسيين على الأمويين عام 750، استولوا على الخلافة والسلطة، وأصبحوا مركز الحكم في العالم الإسلامي إلى انهيارهم على يد هولاكو حفيد جنكيز خان عام 1258.
من بعد خلافة الخليفة العباسي الأول أبو العباس التي استمرت أربعة أعوام، استلم دفة الحكم أخاه منصور عام 754، واخذ عاصمة الدولة من الشام إلى بغداد عام 762. شهدت مرحلة حفيد منصور هارون الرشيد في (786-809) على إحدى اكبر السلطنات ترها في التاريخ على حساب جهود ودماء وأرواح الشعوب. وبذلك تكرر مرحلة قصة ألف ليلة وليلة في هذه المرحلة، مثلما حدث في مرحلة الساسانيين. استلموا أبناء هارون الرشيد الأمين، المأمون والمعتصم السلطة  بالتسلسل من بعده، وجعلوا شعب المنطقة يتقيأ دما. كان أم الأمين عربية، وأم المأمون كردية، وأم المعتصم تركية الأصل.
في هذه المرحلة وبالرغم من التمردات الموجودة ضد الحضارة الصينية، إلا ان قسم من الأتراك الممتدين من الشرق الأوسط  أصبحوا عساكر مرتزقة لدى الدولة. وكون أم المعتصم كانت جارية تركية الأصل، استطاعت ان تعقد العلاقات مع هذه الفئات بسهولة. عندما قام المعتصم في عهده ببناء وحدات عسكرية مأجورة خاصة بإدارة التركيين الأصل، فتح الطريق أمام بروز استياء بين صفوف العرب، وبنى مدينة جديدة باسم سامراء عام 836 لتكون هي العاصمة.
إلى حين إعادة العاصمة إلى بغداد، ستُذكر سامراء التي استمرت 57 عاما كعاصمة للعباسيين، مكان مقتل بابك. ستُلعن سامراء المدينة القريبة من سواحل نهر دجلة القريب من بغداد بمقتل قائد شعبي كبير في 4 من شهر كانون الثاني عام 838 في تاريخها.
في حادثة القتل هذه، نظرت سامراء بكل دهشة وحيرة إلى الأطراف والرأس المبتور المستغرق بالدماء، من دون ان تسمع صرخة ألم واحدة. كان بابك هو بطل قائد المقاومة الخرمية الذي قتل ومن دون ولا صرخة واحدة في سامراء.
انتقلت القيادة من جاويدان إلى بابك، وبفضل المرأة التي تزوجها، قبله جمع أعوانه ومؤيديه. ان دل هذا على شيء انما يدل إلى قوة المرأة المتدفقة الغير منتهية. خاب آمال الشعوب والنساء في سامراء، والذين رغبوا في تشويه التاريخ حطموا حقيقة ودور المرأة فيها. لا يمكن اعطاء الخرمية وبابك حقهما، إذا ما تم التغاضي عن دور المرأة في مناهضة هيمنة الرجل الاجتماعية في تلك المرحلة.
شكل انحطاط المرأة وعرضها كسلعة وفي البداية أم بابك "ماتار" الأساس في معتقداته، لان الحياة التي استهدفتها جميع الخرميين، تحمل آثار ثقافة الحياة النيوليتية الكومينالية المتمحورة حول المرأة. هاجم المهيمنين هذه الثقافة والنظام في ذات المرأة.
ان الانضمام إلى العصيانات التي استمرت عشرين عاما، بعث امل الشعوب المقهورة والمسحوقة مجددا في المنطقة، ولكن بسبب بعض الأخطاء والنواقص عاق استمرارية هذا الكفاح العظيم. يمكننا سرد أسبابه على الشكل التالي:
أولا: عدم ابتعادها جذريا عن العلاقات مع الدولة والسلطة في حين دفاعها عن بناء حياة اجتماعية تعاونية متساوية خارجهما، ويبين هذا عدم وجود فرصة نجاح دائمي أيديولوجيا واستراتيجيا ضد النظام. في حين نجاحها تكتيكيا بالاعتماد على الجبال، لكن البقاء في القلعة وحصارها كادت الهزيمة شيئا حتميا.
ثانيا: إذا توحدت ونظمت الحركات والعصيانات الخرمية في المناطق الأخرى، قد كان بمكانهم القضاء على الظلم العباسي.
ثالثا: ان تقاطع مرحلة توسيع الدين الإسلامي وإقطاعيتها مع مرحلة العصيان، خلقت ظروف غير مناسبة وحتى معادية موضوعيا لها.
رابعا: وفق التقييم الإسلامي، استمرت مرحلة الاجتهاد واستطاع النظام ان يبدي قابلية الاستمرار بالمرونة على المستوى الفكري وفق حاجته.
خامسا: مقابل هذا، تقدم بابك بجانبه العملياتي أكثر، بدل من وضع الأسس النظرية والفلسفية للنظام الاجتماعي على نطاق اشمل.
يوضح القائد " عبدالله أوجلان" أسباب عدم وصول جميع التمردات والمقاومات ومن بينها البابكيين إلى نصر نهائي على الشكل التالي: 
"أصبح الإسلام  بجانبه هذا من أحد الإيديولوجيات المتعصبة، حيث زاد هذا التعصب مع مرور الزمن بعد وفاة النبي محمد وتصفية آل البيت، واستلام الأمويين للحكم ومن ثم العباسيين، لقد هيمنت سحب الظلام على حضارة الشرق الأوسط بعد سحق الكثير من الحركات الباطنية التي كانت تمثل الشعب فيما بين القرنين العاشر والثاني عشر، فقد قدمت الحركات الباطنية وفي مقدمتها الخوارج والبابكيين والقرامطة والحشاشين والإسماعيليين التي ظهرت على شكل حركات للطبقة المسحوقة والفقيرة نضالاً إيديولوجياً، وممارسة عملية بنفس الوقت، ومثلت نوعاً من النظام الاشتراكي البدائي وعاشته، ولكن هذه الحركات لم تستطع النجاح بشكل كامل، لأن القوى وعلاقات الإنتاج لم تقم بدورها كالنمط الإقطاعي المطلوب، ولكنها حظيت بمكانة كبيرة في تاريخ النضال لأجل الحرية والمساواة."
كانت الجيوش العباسية لا تعرف للظلم والوحشية حدودا. وفي هذا الوضع أعلن بابك وشعبه خيارهم على شكل " إما الحرية أو الموت". لم تكن ملحمتهم ملحمة الهزيمة، بل ملحمة الحرية مكتوبة على صفحات التاريخ.
وفي النتيجة، خيانة لصديق معروف أودى ببابك إلى ساحة سامراء. فحتى ان مواقف بابك أثناء ذهابه إلى الموت في سامراء لوحدها، تكفي بان تكون ميراث شرف ومقاومة عظيمة مهداة إلى الإنسانية. حتى انه لم يركع أثناء موته أمام الخليفة القائل بإمكانه الخلاص إذا ما اعفي عنه. يذكر سعيد النفيسي في كتابه الذي يُعرف فيها بابك  عن اللحظات الأخيرة لمقتله:
" قال المعتصم لـ بابك عندما جاء إليه: يا بابك، أنت قمت بشيء، لم يقم أحدا على فعله. أما الآن فعليك بالتحمل على ما لم يتحمله احد. أما بابك فقال: ليرى تحملي قريبا. أمر المعتصم بقوله: "اقطعوا يديه أمام عيني". أمر المعتصم بقطع يديه ورجليه أمام عينيه. عندما قطعوا إحدى يديه مسح بالأخرى وجهه بالدم حتى احمر تماما. سأله المعتصم:" أيها الكلب ما الذي تفعله؟ " قال بابك:" ....ان وجه الناس يحمر بدم جسمهم. عندما يتدفق الدم من الجسم يصفر. وعندما ينزف الدم من بدني " لكي لا يقول الشعب" اصفر وجهه خوفا " لونت وجهي بالدم"
" لكي يؤلمه المعتصم أكثر، أمر الجلاد بطعن سيفه قلب بابك من بين آخر العظمين السفليتين لقفصه الصدري. ومن بعد فعلته هذا وبأمر من المعتصم، قطعوا لسانه، علقوا جسمه على الشجرة. اخذوا رأسه إلى بغداد وعلقوه برأس عصا على الجسر، بعدما طافوا به مدن وأحياء خراسان. أما السبب كونه صاحب نفوذ عظيم متجذر في قلب الشعب".
وكلماته الأخيرة...
" أنت أيضا مغالط مثل جميع المستبدين (الحكام الظالمين)، لان ملحمتي ، ملحمة لم تبدأ بـ بابك ولن تنتهي به. أيها البؤساء فلن تفهموا أبدا ماذا تعني لهيب الحرية. انه لهيب مدهش، يحرق قلبك ويحولها إلى رماد. سواء أكانت الحرية حلوة أو مرة، فهي سجدتي الوحيدة! والمستبد يقتلني، هو أيضا لن يفهم أبداً، لن ينتهوا فدائيي الحرية بالموت أبداً..."
مثلما وضح في أقواله الأخيرة، وصل إلينا مثل كمال بير بقوله "لو أعطوا العالم بأكمله فلن أبدلها بالحرية". والتقى مع حبه للحرية كقائدنا الخالد وخالق لمقاومة 15 أب التاريخية الرفيق "عكيد". ان غضبنا المدفون في القبضات المشدودة والعصيان الذي لا يهدأ في قلوبنا، تعطي روحا لنضالنا الحر. وبداخل هذا فروحه هو، يحيا في شعوب الشرق الأوسط وفي مقدمتهم الشعب الكردي بشوقه وحنينه للكومينالية والإرادة الحية.


0 كۆمێنت:

إرسال تعليق