14‏/12‏/2011

رحلة الشعر الكردي من بابا طاهر الى شيركو بيكه س

الدكتور شاهو سعيد


بعد نحو ثلاثة قرون من الصمت أعقبت الفتوحات الإسلامية للمنطقة الجبلية الوعرة التي تمتد من سلسلة جبال زاغروس جنوباً حتى هضبة الأناضول شمالاً، و التي تسمى بأرض كردستان، موطن الكرد، وحيث تنشطر حالياً بين دول في الشرق الأوسط.. بعد مخاض طويل بين المقاومة والتقوقع في دين قديم والاستسلام والانفتاح أمام دين جديد، من قبل شعب ضرب جذوره في العرفان الشرقي و الحكمة الإيرانية من جهة، وبدأت تشده ثقافة دينية جديدة مطعمة ببيان عربي وافد من الصحراء المولدة لثراء إيقاعي بطبيعتها من جهة أخرى.. بعد مسيرة أيام شاقة من البحث اللامجدي عن حب غيّبه الزمن و أحياه هاجس الشعر في هيئة سراب.. جلس شيخ العارفين تحت شجرة مسنّة، أكل دهر الأكاسرة الإيرانيين و الأمراء المسلمين الفاتحين عليها و شرب، واضعاً كشكوله جانباً، قارضاً رباعيته الجديدة:

لقد غرستْ شجرةُ الحزن جذورَها في روحي
فأناجي أمام عتبة الملكوت ليل نهار
أيها الشباب! أدركوا قيمة حياتكم..
لأن الأجل كالحجر.. و الإنسان كالزجاج!

كانت هذه الأسطر المنظومة على بحر الهزج، واحدة من رباعيات بابا طاهر الهمـــذاني (935-1010م)،

التي شكلت بداية منهكة من حيث القلق الكينوني وعميقة من حيث البناء و الإيحاء، للشعر الكردي الذي بدأ ينفض عن جسده غبار الارتباك بين
حضارتين مختلفتين (الساسانية والإسلامية)، ومنظومتين مغايرتين لإنتاج المفهوم و المنطوق. لقد كانت تلك البداية قائمة على ثنائية الثبات و التحول، الثبات من حيث إحياء الذاكرة المكبوتة للشعب الكردي وإدامتها في فضاء اللغة، والتحول من حيث تطعيم تلك الذاكرة بفنون بلاغية وعروضية جديدة للشعر العربي.. لكن هذه الثنائية وبالرغم من أهميتها خلقت قلقاً عميقاً اصطبغ به شعر بابا طاهر، والشعر الكردي الذي بدأ به بشكل عام، لأن الشعب الذي أنتج ذلك الشعر قدر له أن ينشطر بين كينونتين، إحداهما حاضرة على الأرض، بين الجبال والوهاد والمروج، والثانية غائبة أو بالأحرى مغيّبة في الزمان الذي ألغى الوجود التاريخي لشعب قبل أن يلغي وجوده في الخارطة الجغرافية، وقد جعل ذلك الانشطار من بابا طاهر كائناً قلقاً متسائلاً، لا شيء يرضيه سوى التمرد والبحث والخروج من دائرة المكان الذي يضيق به، كي يتّحد بالأفلاك، و يحاور القدر الإهي:

لو وصلت يداي إلى أفلاك الكون
لسألتها عن السبب فيما يحيرني:
إذ منح البعض آلاف النعم..
ومنح البعض خبز الشعير الملوث بالدم!

ولئن كانت الأرض تضيق به، وتمنعه من أن يتحد بالأفلاك، فإن بقاءه في الزمن، التاريخ، يحتم عليه أن يعيش في سكونه وثباته لا صيرورته وتحوله، لأن فاعلية الزمن الخارجي منوطة بتجميد زمنه الذاتي.. أما فاعلية الذات وصيرورة الإرادة فتؤديان إلى كارثة، كارثة لا يمكن لريشة أي فنان أن تصورها سوى ريشة بابا طاهر الشعرية:

إنني ذلك الطائر الناري الذي..
لو حركت جناحي، لاحترق العالم فور تحليقي!
ولو صادفني رسام و صورني على حائط..
لأصبح العالم رماداً فور انكشاف سر هيئتي!

إن هذا القلق بين التخفي و التجلي يكشف عمق وعي صاحبه أمام الذات كموجود يطمح أن يكون حراً، وأمام الواقع كموضوع يؤجل تلك الحرية أو يلغيها.. فعليه أن يختار: إما الذات مقابل فناء العالم! و إما العالم أمام كبت الذات!!.. فيفضل في النهاية الاختيار الثاني.. لكنه ليس اختيارا مازوخيا، بل اختيار استوجبته حقيقة الشعر، لأن الشعر لغة، و اللغة هي أداة لتحقيق (العلانية)، وإظهار المستخفي، أو هي تجلي الموجود البشري في العالم الخارجي. وإذا كان وجود النباتات أو الصخور أو الحيوانات لا يعرف تفتّحاً – على حد تعبير هيدجر – فذلك لأن كل هذه الموجودات لا تملك لغة تتخذ منها سبيلاً إلى التجلي والانتشار. وهنا يلجا بابا طاهر إلى تفجير مكبوته اللغوي ليخرج إلى عالم العلانية، بعد ثلاثة قرون من صمت ذاكرة بني قومه ويعلن عن ذاته في الزمن (التاريخ)، رافضاً مجرد امتزاجه بالوجود، المختلط المتخفي في المكان (الأرض). وهذا ما يسميه هيدجر بالتواصل الخلاق بين لغة الشعر وكينونة الشعب الذي تنتمي إليه تلك اللغة، وعلى ضوئه يدعونا إلى قراءة فنون وآداب كل شعب من الشعوب لكي نقرأ لغة هذا الشعب في التعبير عن العالم، والأرض، والصراع الحاد القائم بينهما، وشتى مظاهر تفتح الوجود. وكما أن للغة طابعاً تاريخياً، فإن الشعر أيضاً له بعده التاريخي الذي يجعل منه مظهراً ليقظة شعب ما من شعوب الأرض في اكتساب حقيقته، و تأكيد عالمه الخاص.
وقد شكلت التجربة الصوفية ملجأ آخر التجأ إليه العديد من الشعراء الكلاسيكيين الكرد، لترجمة مشاعرهم وقلقهم،إلى لغتها الطافحة بالرموز وتفتح الخيال. ويقوم الخيال العرفاني بدوره المتفرد الخلاق في الجمع بين الأطراف المتضادة، وخلق علاقات جديدة منها، وأن الاضطراب الزمكاني الذي عاشه الإنسان الكردي دفع بالشعراء الكرد إلى الرحيل عن عالم قد يأويه في المكان، لكنه يطرده من الزمان.
وأثناء تلك الرحلة لجأ الشعراء المتصوفة إلى نقل إشاراتهم الباطنية إلى الظاهر، أي ترجمة أحاسيسهم التي تتخللها أعمق درجات الخيال إلى العبارات، وقد تضمنت عباراتهم صوراً يضيء بعضها بعضاً في حركات داخلية، وتداعيات، لابد من بناء إيقاعي يجسدها ويظهر تناسقها الحيوي.. لذلك نجد أن الشعر الكردي يلجأ بعد بابا طاهر، وبخاصة على يد الملا أحمد الجزيري (1407-1481م)، إلى تطعيم التجربة الشعرية بالبناء الإيقاعي المتين، على المستويات العروضية والداخلية والذهنية كافة، ويتبين من نصوص هذا الأخير أنه التزم بوحدة الوزن و القافية مستخدماً السجع الداخلي و المحسنات اللفظية وغيرها من الفنون البلاغية المستقاة من الآداب العربية والفارسية، لتطعيم التجربة الصوفية بها. وقد تمظهرت تلك التجربة عنده في حالة الاختلاء بالنفس في خضم الأشياء التي لا حدود لها في الكون، وإيجاد العلائق الأزلية بينها. وإذا كان بابا طاهر قد حاول مزج كينونته الحاضرة في المكان مع كينونته الغائبة في الزمان، فإن الجزيري قد عبر عن ذلك القلق في الألم الذي يحدثه الانشطار بين الحب والجمال، من خلال إيمانه بأن الحب والجمال كانا متحدين في البداية، لكنهما انشطرا، وأن مهمة العاشق تكمن في إعادة اللحمة إليهما. لكن هاجس التوحيد ذلك يبقى بحثاً مقدساً عن سراب، لأن الحب هو ما يطمح إليه الإنسان،أما الجمال المطلق فهو ما يتجلى في الله وحده، وكي يبقى الحب حباً يجب أن يكون بحثاً متواصلاً عن حبيب لا يتحقق الوصال به، فالجمال يبقى ينبوعاً انبثق منذ الأزل ولا ينضب إلى الأبد، والحب يبقى بحثاً متواصلاً لظمآن يدرك الينبوع دون أن يصله:

حين منحنا الحبيب الخالق ذرة من رحمة عنايته
كانت الخمر و الكأس من نصيبنا، في سفر الهداية!
إن جمال الحبيب لا ينضب أبد الآبدين
لأن ما ليس له بداية.. لا يكون له نهاية!

وفي مرحلة أخرى من تاريخ الشعر الكردي انحسر التصوف الاهتيامي العميق، المتسع للحب الإلهي والقلق الإبداعي، أمام ظاهرة الدروشة وطقوسها الخالية من الشعرية.. لكن شاعراً كأحمد خاني (1650-1706م) أبى إلا أن يكون منارة التصوف الاهتيامي وسط أطلال حب هجَره الناسُ في زمنه، لأن زمنه الحقيقي هو زمن البحث عن العشق الإلهي، فحب الله يتجلى نوراً في سيماء العشاق، و ناراً في قلوبهم.. وإن سر التجاذب بين العاشق والمعشوق سر إلهي. ولأول مرة في تاريخ الشعب الكردي يترجم خاني قلق شعبه المكبوت، ويعلن أن تفجير مكبوته اللغوي و الخروج إلى عالم العلانية ليس تواصلاً بين لغة الشعر وكينونة شعبه فحسب، بل تواصل بين لغة عصره التي تتباهى بها الشعوب الأخرى بأمجادها وأصولها، وحضور شعبه في التاريخ الذي يناسيه: (لقد زينت ملحمتي بجواهر اللغة الكردية ولآليها، كي لا يقال إن الكرد ليس لهم جذور ولا يفقهون.. ولا يقال إن جميع الأقوام لها كتب و صحف، سوى الشعب الكردي الذي ليس له شأن و دور).
ومع ازدهار إمارة بابان الكردية، التي مازال لها تواصل ثقافي وحضاري، بالرغم من أفولها السياسي في النصف الأول من القرن التاسع عشر.. يأتي الشاعر ملا خضر نالي (1797-1855م) ليعلن عن ميلاد طاقة غنائية في الشعر الكردي، وعن لغة كتابة جديدة في اللغة الكردية، تصبح فيما بعد لغة الثقافة الرسمية (الكرمانجية الجنوبية) في مناطق شاسعة من شطري كردستان العراق وإيران، وبذلك تكون لشعر نالي قيمة من ناحيتين: تاريخية وجمالية، من الناحية الأولى، شكل البعد الثقافي لإمارة بابان التي لم تكن مجرد إمارة عسكرية قائمة على العصبية، وأدى إلى تبلور أدب حضري له امتداد حتى الآن في مدينة السليمانية، ونقل الشعر من مدار القرية إلى مدار المدينة، فنالي وبالرغم من أصله القروي الشهرزوري، إذ ولد في قرية خاك وخول.. نشأ و ترعرع و اشتهر ثقافياً و
دينياً وأدبياً في مدينة السليمانية، في فترة سطع فيها نجم الأمراء البابانيين الذين أسسوا أكبر مكتبة في كردستان، ومازالت من أهم المكتبات في العراق، من حيث الاحتواء على مخطوطات نفيسة وكتب نادرة. أما من الناحية الجمالية، فإن شعره يزخر بالمحسنات اللفظية والبلاغية والعروضية من حيث البناء الشكلي، وبالصور الشعرية الكثيفة والإضاءة الداخلية من حيث البناء الذهني، تلك الصور التي تنبثق من قلق واع إزاء الزمان والمكان. فقيمة الزمن عند نالي لا تكمن في امتداده وانتشاره بل في عمقه وكثافته، أي عندما يتكثف حباً و هياماً، لا عندما يطول ويمتد في الفراغ. غير أن القدر حتم أن يعيش في الزمن الثاني، لذلك فإن الحنين إلى الانتقال من الزمن المعاش والبحث عن زمن تتخلله نشوة الحياة يبلغان ذروتهما عند نالي، الذي نشأ في مناخ ثقافي مطعم بغزليات الشعراء العارفين الفرس (حافظ، سعدي، مولانا جلال الدين الرومي.. وغيرهم)، فيرى أن الاغتراب عن الأشياء و العالم الخارجي، وحتى مع الذات، يبدأ حينما تأفل نجوم العشق:

عندما كنت أنيستي كان الجميع أنيساً لي
لكنني أحس الآن بالاغتراب حتى مع ذاتي

ومع اغتراب نالي الحقيقي الفيزيائي ومغادرته كردستان، ولجوئه إلى الشام و استانبول، واستقراره في منفاه بعد سقوط إمارة بابان.. تبدأ مرحلة مهمة من شعره، والشعر الكردي بشكل عام، وهي مرحلة أدب المهجر الكردي.. ومن قصائده الشهيرة التي كتبها في المنفى، رسالته الشعرية التي بعثها إلى صديقه الشاعر المعاصر له (سالم 1800-1866)، الذي ردّ هو الآخر برسالته الجوابية الشهيرة من مدينة السليمانية إلى منفى صديقه، وقد ترجم نالي في تلك الرسالة اغترابه الذى يضيق به إلى شعر تتفتح لغته ويتسع فضاؤه:

إن شرح ما أقاسيه من عذاب الغربة و ألم الفراق
قد يحول قلبي إلى ماء، فيسيل عبر العيون!

ولئن كان إيقاع الشعر الكردي قد بقي محافظاً على الوزن الكمي – العروضي، الذي هو وزن عربي بالأصل، فإن الشاعر الصوفي مولوي (1806-1882) الذي كتب نصوصه الشعرية باللهجة الكورانية، قد شكل امتدادا للشعراء الذين كتبوا نصوصهم بالاستناد إلى الأوزان الكردية المقطعية القديمة، وبذلك أعاد إلى اللغة الكردية خصوصيتها الإيقاعية. وبالرغم من تأثره بالأدبين الفارسي والعربي فإنه احتفظ بالوزن المقطعي – الهجائي الذي يعدّ وزناً كردياً أصيلاً. ودوِّن بها (أفيستا) الكتاب المقدس للإيرانيين قبل الإسلام . ويذكر أن اللهجة التي كتب بها مولوي قصائده الغنائية الجميلة، التي تتخللها إشراقات صوفية، تحتفظ بمزايا لغوية عريقة تقربها من لغة آفيستا واللغة البهلوية الإيرانية القديمة، وبذلك تمكّن مولوي من أن يحول لهجة منطقة جبلية إلى لغة شعرية طافحة بالرموز الصوفية والرؤى العميقة، ويحول أوزاناً شعبية إلى إيقاعات غنائية قامت عليها فيما بعد حركة الحداثة الشعرية الكردية.
ويبدو أن مولوي قد أحس في حينه أن نظم الشعر بلغته التي يكاد النسيان يطويها، أمام هيمنة الأدبين الفارسي والعربي، هو ضرب من الإعلان الإبداعي من جهة، وضرب من الاغتراب من جهة أخرى، لأن أي إعلان عن فاعلية الذات هو نوع من مغامرة الإرادة أمام فاعلية زمن يستلب إرادة المهمّشين والضعفاء من مخلوقات الله، لذلك لجأ مولوي في مرحلة لاحقة من حياته إلى الكتابة والنظم باللغتين العربية والفارسية، وقد أبدع فيها، لاسيما في مؤلفه حول علم الكلام باللغة العربية. هذا، وبالرغم من الطابع الغنائي لمولوي الذي يشبّه الوردة بوجنة حبيبته، بدل أن يشبّه وجنتها بالوردة، وبالرغم من حرصه على متلقيه وسامعه اللذين أهداهما أجمل التعابير البلاغية والصور الشعرية، فإنه يبقى أخيراً، وحيداً بينهم في ظلمة وسط الأشواك و الصخور:
الطريق طويلة و مظلمة، المكان تملأه الأشواك و الصخور
لا زاد عندي و لا قنديل، و لا صديق يواسي وحدتي

ظهرت النغمة الانتقادية الأولى في الشعر الكردي، من حيث الموضوع، من جانب الحاج قادر كويي (1815-1892م)، المعروف بـ (حاجي)، فبخــــــلاف


الشعراء الكرد السابقين، حوّل القلق العرفاني الذي لم يكن يفصح عن نفسه إلا بترميز و غموض شعريين، إلى قلق سياسي قومي يعلن عن ذاته بلغة واضحة. و بالرغم من أن الوضوح اللغوي قد يكون في العديد من الأحيان معرقلاً للتفتح الشعري، فإن قصائد حاجي لم تفقد الشعرية لقدرتها الخطابية الممزوجة بالمحسنات اللغوية والتصويرية من جهة،و حرصه الحزين على مستقبل بني قومه من جهة أخرى، و كغيره من الشعراء الكرد يبدأ حنينه إلى الوطن وقلقه تجاهه، عند الفراق، أي عندما يغادره ويتوجه إلى المنفى.. لكن ذلك الحنين لا ينتج خطاباً أيديولوجياً محضاً فحسب، بل يولّد شعرية في التعبير أيضاً:

لا تسأل عن عذاب الغربة و اشتياقي إلى وطني
الوطن الذي قد أبكاني بقسوته، و أبكي الآن شوقا إليه

وقد عاصر حاجي شاعر كبير آخرهو محوي (1830-1904م) الذي تحتل تجربتــــــــه في الشعر ولغته
الطافحة بالرموز والإيحاءات الذهنية موقعاً مهماً في خارطة الشعر الكردي. وإن اللافت للنظر في هذه التجربة أن الاغتراب عند صاحبها لا يتعلق بالمكان، بل كائن في ذاته أينما وجد، وأينما رحل. فعند محوي لا يوجد ما هو مكتمل، وكل شيء إنما هو ناقص بالقياس إلى كماله الأول، وليس ثمة مفر سوى الخروج من الوسط الذي يتم فيه ابتياع النقص بثمن الكمال، وبما أن الحياة السفلى تحول دون تحقيق ذلك الخروج، فإن محوي يختار طريق مداهمتها ورصدها بكل حركاتها وتناقضاتها وتداعياتها، من خلال تجربة تقوم في الغالب على التوازيات الطباقية للصور، ففي شعره هناك بعض المسلمات المتكررة كفناء الإنسان وفناء الحياة الدنيا، وفي المقابل ثمة صور منوعة تتدفق من الحياة التي تتخللها الملذات التي لا تتكرر ولا ترد إلا مرة واحدة، وبين هاتين القوتين المتناقضتين اللتين تجذبان الإنسان وتشدانه، لا يرى محوي ضياع الحياة فحسب، بل نفاد الزمن أيضاً.. وعند نفاد الزمن لا تنتهي الحياة وحدها، بل ينسدّ المخرج كذلك:

لقد ضاع عمري كله في (ما لا يعني)، و ذلك يعني:
أن عليّ أن أستعير وقتاً من ذي وقت، كي أموت فيه!

ويعرض تساؤلاته من خلال توزايات طباقية يصور خلالها التقوى بديجور الظلام، والتمرد بنور النشوة المنبثق من الكأس:

ماذا عساي أن أفعل.. إن لم أنر ظلمة التقوى بنور الخمر؟!
ماذا عساي أن أفعل.. إن لم أزح الستار عن الدجى بهذه الشمعة؟!

في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، برزت حركة جديدة في الشعر الكردي، تأثرت بحركات النهضة العربية والفارسية والتركية، عاصرت التحولات السريعة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، الناشئة عن التفاعل مع الوجهين الحضاري والاستعماري للغرب. لذلك زرعت تلك الحركات البذور الأولى للنهضة الثقافية الكردية والصحوة القومية، ومن روادها بيره ميرد (1867-1950م) وحمدي (1876-1936م) وأحمد مختار (1897-1935م) وفائق بيكه س (1905-1948)، ونوري الشيخ صالح (1896-1958) وآخرون.

مع إطلالة النصف الثاني من القرن العشرين برزت نماذج شعرية جديدة في الأدب الكردي حاولت التحرر من القيود الشكلية التي خضع لها الشعر الكردي القديم ،لاسيما تلك القيود العروضية والبهرجات اللفظية التي عدّها المجددون وبخاصة الشاعر عبدالله كوران (1904-1962) أساليب بالية تحدّ من انطلاقة المعنى والمحتوى الشعري. غير أن أهمية كوران لا تكمن في مجاوزته الشكل القديم فحسب، بل في توظيفه لغة الطبيعة بالدرجة الأساس، توظيفاً فجر فيه صوراً مكبوتة و مخزونة في ذاكرة الإنسان الكردي، الذي طالما تعامل مع الطبيعة، دون أن ينتبه لأسرارها. وقد مهد كوران، وعصره الحافل بالتحولات الثقافية، السبيل أمام العديد من الشعراء المجددين منهم جماعة روانكة (المرصد) التي كان الشاعر شيركو بيكه س واحداً منهم، وقد أصدروا بيانهم الأدبي الأول عام 1970. كما ظهر شعراء وأدباء آخرون في تلك الفترة شاركوا في تجسيد القلق الكردي، بين الطموح في مواكبة حضارة العصر من جهة، والمشاركة في الثورة الكردية لرفض الغبن الذي ألحقه العصر ذاته بشعب كردستان من جهة أخرى.

شيركو بيكه س أو لوحة الصراع الزمكاني:

تعد تجربة شيركو بيكه س الشعرية تجربة محافظة و خلاقة في الوقت ذاته، فمن الناحية الأولى تمثل إدامة القلق المولد عن الذاكرة الكردية المتقصية عن الفاعلية التاريخية، وإدامة الإيقاعات الهجائية التي استخدمها كوران لأول مرة في بنائها الحر لتصوير البنية المكانية الكردستانية، التي تتسم بالتنوع والتكرار، لكنها تصبح هذه المرة عند شيركو مأوى جبلياً لحماية وجود الإنسان الكردي، لاسيما عندما تضيق به السهول، ويتهدد وجوده الفيزيائي.. ومن الناحية الثانية، تمثل تجربته إبداعاً في فضاء اللغة الكردية، الذي يتمدد لا ليتسع للملفوظات فحسب، بل للمحسوسات والمرئيات ومخزونات الذاكرة أيضاً.
فإذا كان كوران قد تمكن من توظيف الطبيعة الكردستانية وعناصرها الفنية توظيفاً جعل من قصائده لوحات حافلة بالجبال و الينابيع ومشاهد اللقاء مع الحبيب، بشكل يستحق بجدارة أن نسميه رسام الطبيعة الكردستانية، وريشته الكلمات.. فإن شيركو بيكه س تمكن من أن يضيف عنصراً آخر إلى الطبيعة الكردستانية، وهو عنصر التفتح و التفجر. فالطبيعة عنده لا تبقى كما هي عليه، بل تتماهى مع الإنسان في عشقه وصموده، ازدواجيته وقسوته، تناحره وصراعه من أجل البقاء، وضد البقاء في بعض الأحيان!.. لذلك لا يقوم شـــــيركو

برسم الطبيعة كما هي، بل يعيرها لغته، فتعبر الطبيعة عن حالها المتماهي مع حال ساكنيها، وتكسى رداءً تاريخياً، لتحقيق العلانية، وإظهار المستخفي تحت الأرض. وبذلك ينجح شيركو ولأول مرة في تاريخ الأدب الكردي في ردم الهوة القائمة بين الزمن الكردي ومكانه، بين طبيعة كردستان وتاريخ شعبها، من هنا، لئن كان كوران قد استحق و بجدارة أن يسمى رسام الطبيعة، من خلال نهجه الواقعي الاهتيامي.. وإن كان حافظ الشيرازي، قد استحق من قبله، بجدارة واعتراف عالمي أن يسمى لسان الغيب، من خلال نهجه العرفاني الترميزي.. فإن شيركو بيكه س يستحق من جانبه و بجدارة أيضاً أن يسمى لسان الطبيعة الكردستانية، في حال تفجرها و تفتحها، و تماهيها مع التاريخ:

أعود شاعراً
كي أطفح بالأمطار، وتعشوشب رؤياي،
كي تنبت على أغصان صفحاتي
براعم لم تدركها نسمة أو ضياء
أو ظلال أو طائر.
لم يبصرها شاعر، أو امرؤ من قبل!

وتصطبغ الطبيعة الشيركوئية بسمات أنثوية، إنه مكان الحرث والاغتصاب والاستعباد والإحراق. فالرثاء لمكان يقتل ويعذب وتصب ينابيعه بالإسمنت هو النغمة المسموعة الأولى في قصائد شيركو بيكه س.
وفي مقابل المكان المقتول هناك الزمان القاتل، التاريخ الذي يصطبغ بسمات ذكورية. ففي تاريخ الذكورة، بعد أن تتحول أجسادهن إلى حقل تجارب الرجل الأول (الدكتاتور على صعيد الدولة، ورئيس القبيلة على الصعيد القبلي، والزوج على الصعيد العائلي) يأتي دور الأرض، البنية المكانية، وحقلنة جسدها، لزرع بذور الذكورة.. وإلا، عذبت، و اغتصبت:

لم يبق أحد
ينجد كردستان الآلام!
لقد تكسرت السلالم كلها
وأُهينت البنادق جميعها
كانت بلادي، خطيبتي، عارية..
رأيتهم يداعبون نهديها.. أمام ناظري!

هكذا، تتماهى البلاد الضحية، كردستان، مع الكائنة الضحية، المرأة. ويتماهي جلاد القبيلة الكبرى، الدولة، مع جلاد الدولة الصغرى، القبيلة. أي ثمة ثنائية مزدوجة في شعر شيركو بيكه س: (المرأة/ القبيلة) من جهة، و(كردستان/ الدولة) من جهة أخرى. عندما تكون إحداهما جلية تكون الأخرى خفية، تتحرك ضمنها رؤية الشاعر، وأحاسيسه المندفعة بقوة نحو الجنس الآخر (الأنثى)، باعتبار كاتب النص جنساً مذكراً، وصوب الأرض المحروقة (كردستان) باعتباره فرداً كردياً. قوام هذا التماهي هو البقاء.. فحلم التمازج بين الجنسين (الذكر والأنثى) يندرج ضمن غريزة أزلية يحركها دافع البقاء (الايروس) والتمازج بين الإنسان والأرض يجسد حقيقة دينية في الفكر الديني (الخروج من التراب و العودة إليه).
عدا هذه الثنائية، هناك ثلاثية (الطبيعة ـ الثورة - الهزيمة) في تجربة شيركو بيكه س، فالطبيعة عنده هي الموضوع الباعث، بؤرة التوتر، مركز الإغراء للعشاق والأعداء في الوقت ذاته. أما الثورة فتمثل العاشق، فيما تمثل الهزيمة، العدو المغتصب.. فيرثي في معظم قصائده معشوقاً، الطبيعة التي تغتصب.. وينتظر فارس أحلام يمتطي حصان الثورة.. ليقاوم لعنة أزلية، الهزيمة، التي تلاحق الذاكرة الجماعية لبني قومه.
وإذا كان هذا الشاعر قد وظف الغبن الذي لحق بشعبه توظيفاً شعرياً، جعل منه شاعراً معروفاً على الصعيد العالمي، فإن النقد لم يوظف الغبن الذي لحق به شخصياً، إذ قدر له أن ينتمي إلى أدب شعب لم يتعرض كيانه ووجوده لخطر الإبادة والفناء فحسب.. بل تعرض لسانه أيضا لخطر البتر، وتعرضت كذلك ذاكرته لخطر المحو و التشويه.
بقي أن نقول: إن شيركو بيكه س من مواليد السليمانية ـ العراق 1940، حاز على جائزة (توخوليسكي)، التي يمنحها نادي القلم السويدي، لعام 1987. ترجمت نماذج عديدة من قصائده إلى اللغات الإنكليزية، الفرنسية، الألمانية، الإيطالية، السويدية، النرويجية، الدانماركية، المجرية، الفارسية والتركية. وترجمت له حتى الآن خمس مجموعات شعرية إلى اللغة العربية (مرايا صغيرة، مضيق الفراشات، ساعات من قصب، نغمة حجرية، سفر الروائح).

وحين تنطق الألوان:

في ديوان (إناء الألوان) جعل شيركو بيكه س من اللون عنصراً شعرياً رئيسياً من خلال مزج خصائص الرؤية بخصائص الصوت، وبالتالي من خلال مزج الدال الذهني بالدال المسموع. وثمة معمار لوني في هذا الديوان يقوم على: التكرار، التوازي الطباقي، السياق الدلالي، الانسجامات و التنافرات المعنوية، وغيرها من البنى التي يعتمد عليها الاقتصاد اللوني. وقد نجح شيركو بيكه س في إقامة إيقاع لوني لكنه أكثر خفاءً و داخلياً من الإيقاعات المسموعة، بخاصة حين لا تتلقاه حاسة البصر بشكل مباشر، بل تقوم بنقلها إلى صفحة الخيال، وتترجم هناك إلى صور ذهنية. أي أن اللغة تقوم بامتصاص الخصائص الفيزيائية للألوان وتترجمها إلى خصائص تخييلية مرتبطة بوظائف الشعر واللغة أساساً.
وينشأ هذا الإيقاع اللوني من خلال العلاقة المتبادلة بين موسيقى اللغة وموسيقى اللون، فلا غرابة إذن أن يستهل شيركو بيكه س إناء الألوان بتصوير تلك العلاقة الجدلية بين إيقاع اللون وإيقاع الموسيقى:

لقد جئت هذا المساء..
كي أستحيل ناياً وأعزف الألوان
لوناً.. لوناً.. لوناً.. وألواناً!
من بمقدوره عزف الألوان؟!
أنا القادر!
فحين أنفخ في الأصفر
تهب عاصفة مغيب في روحي

وقد عبر بودلير عن تلك الرابطة الصميمة بين لغة الفن ولغة الأدب بمقولته الرائعة: أسمع موسيقى، وأرى تشابهاً وارتباطاً وثيقاً بين الألوان والأصوات والعطور، وأتصور أن كل هذه الأشياء وليدة إشعاع واحد من الضياء، ينبغي أن تجتمع في نشيد عجيب. وللألوان في استخداماتها الشعرية تدرجات متعددة في القيمة التشكيلية، تصل أحياناً إلى مستوى عميق، وتصل في أحيان أخرى إلى مستوى سطحي. لكن شيركو بيكه س نجح في أن يقيم تناغماً لونياً، وعلاقة بين المكونات اللونية المختلفة لإنائه، تشبه إلى حد كبير تلك العلاقة التي يقيمها الشاعر عادة بين الملفوظات والكلمات والعبارات والأوزان في الشعر. ولعل السبب في ذلك يعود للجوئه إلى طبيعة كردستان، واقتصاد تلك الطبيعة اللوني، الذي تتوزع رساميله بين الفصول الباردة والحارة والمعتدلة، وألوان الأوراق الصفر والخضر، والتربة البنية والخضراء، والمياه الصافية والكدرة، والليالي القاتمة والمقمرة، والملابس الكردية السوداء كسواد التاريخ. والمزركشة كالطبيعة حينما تتلون.. ولون الحقد حينما يحلك و الحب حينما يضيء:

إنه لون لا يقوي المستقبل على السيرورة دونه،
لا يقوي الأمل على الاتقاد دونه،

ولاتتلون قصيدة دونه..
إنه لون الحب في خلوده
وصيرورته التي تتأبد!.

وبما أن لغة شيركو بيكه س الشعرية تمثل تفتحاً للطبيعة الكردستانية.. وتترجم الذاكرة الكردية الطافحة بالقلق و البساطة في آن إلى ملفوظات متداخلة وصور مكثفة، بحيث لا يقوي على تلقيها إلا من قرأها بلغتها الأصلية، وكان على دراية مسبقة بمفردات الريف الكردي ولهجات ساكنيه المختلفة، وبالطبيعة الكردستانية في مواسمها الملونة.. فإن مترجم أشعاره لا يجد بداً من الإقرار باختيار أحد اثنين: إما الترجمة الحرفية التي تجهض شعرية الشعر، وتفرغ النص من قدرته على إحداث الصدمة الجمالية.. وإما الترجمة الشعرية التي تجهض حرفية النص، و خيانة الشعر في بنائه المعجمي لتحتفظ بجانب من طاقته الجمالية.
ئەم بابەتە چۆنە ؟

1 كۆمێنت:

إرسال تعليق